الجاحظ

166

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

اليوم خمر ويبدو في غد خبر * والدهر من بين إنعام وابآس فاشرب على حدثان الدهر مرتفعا * لا يصحب الهم قرع السن بالكاس وقال أبو الطمحان القينيّ « 1 » في ذكر لقمان : إن الزمان ولا تفنى عجائبه * فيه تقطع ألّاف وأقران أمست بنو القين أفراقا موزعة * كأنهم من بقايا حيّ لقمان وقد ذكرت العرب هذه الأمم البائدة ، والقرون السالفة . ولبعضهم بقايا قليلة ، وهم أشلاء في العرب متفرقون مغمورون ، مثل جرهم وجاسم ووبار ، وعملاق ، وأميم ، وطسم وجديس ، ولقمان والهرماس ، وبني الناصور وقيل بن عتر ، وذي جدن . وقد يقال في بني الناصور إن أصلهم من الروم ، فأما ثمود فقد خبر اللّه عز وجل عنهم فقال : وثمودا فما أبقى ، وقال : فهل ترى لهم من باقية . فأنا أعجب من مسلم يصدق بالقرآن ، يزعم أن قبائل العرب من بقايا ثمود . وكان أبو عبيدة يتأول قوله : وَثَمُودَ فَما أَبْقى ، إن ذلك إنما وقع على الأكثر ، وعلى الجمهور الأكبر . وهذا التأويل أخرجه من أبي عبيدة سوء الرأي في القوم ، وليس له أن يجيء إلى خبر عام مرسل غير مقيد وخبر مطلق غير مستثنى منه ، فيجعله خاصا كالمستثنى منه . وأي شيء بقي لطاعن أو متأول بعد قوله : فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ . فكيف يقول ذلك إذا كنا نحن قد نرى منهم في كل حي باقية . معاذ اللّه من ذلك . ورووا أن الحجاج قال على المنبر يوما : تزعمون أنّا من بقايا ثمود ، وقد قال اللّه عز وجل : وَثَمُودَ فَما أَبْقى . فأما الأمم البائدة من العجم ، مثل كنعان ويونان وأشباه ذلك ، فكثير ولكن العجم ليس لها عناية بحفظ شأن الأموات ولا الأحياء .

--> ( 1 ) أبو الطمحان : حنظلة بن الشرق ، شاعر جاهلي أدرك الإسلام وأسلم .